ابن عجيبة

119

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي : لا يقيمون شهادة الكذب ، أو : لا يحضرون محاضر الكذب ؛ فإنّ مشاهدة الباطل مشاركة فيه ، أي : يبعدون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطّائين ، فلا يقربونها ، تنزّها عن مخالطة الشر وأهله . وفي مواعظ عيسى - عليه السّلام - : إياكم ومجالس الخطّائين . وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي : بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ، والمعنى : وإذا مروا بأهل اللغو المشتغلين به مَرُّوا كِراماً معرضين عنه ، مكرمين أنفسهم عن التلوث به ، كقوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ « 1 » ، وعن الباقر : إذا ذكروا الفروج كفوا عنها ، وقال مقاتل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه وصفحوا . وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي : قرئ عليهم القرآن ، أو : وعظوا بالقرآن ، لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية ، مجلتين لها بعيون راعية . وإنما عبّر عنها بنفي الضد ؛ تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا ، « من » : للبيان ، كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ، ثم بينت القرة وفسرت بقوله : مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا والمعنى : أن يجعلهم اللّه لهم قرة أعين ؛ بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان ما تقر به العين . أو : للابتداء ، أي : هب لنا من جهتهم ما تقر به العين ، من طاعة أو صلاح . وَ هب لنا أيضا من ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ؛ بتوفيقهم للطاعة ، ومبادرتهم للفضائل والكمالات ، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة اللّه تعالى وشاركوه فيها ؛ يسر قلبه ، وتقر عينه ؛ بما شاهده من مقاربتهم له في الدين ، ويكون ذلك سببا في لحوقهم به في الجنة ، حسبما وعد به قوله تعالى : أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 2 » . وإنما قال : « أعين » ؛ بلفظ القلة ، دون عيون ؛ لأن المراد أعين المتقين ، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم . والمعنى : أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا ، عمّالا لله ، يسرون بمكانهم ، وتقر بهم عيونهم ، قيل : ليس شئ أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله . وعن ابن عباس : ( هو الولد إذا رآه يكتب الفقه ) .

--> ( 1 ) من الآية 55 من سورة القصص . ( 2 ) من الآية 21 من سورة الطور .